السيد علي الشهرستاني
32
وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع
التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة هي الطريقة التي تخدم البحث العلميّ وتوصل إلى معرفة الحقيقة . كما أَنَّ الجديّة في البحث والأمانة العلميّة تستلزم متابعة مختلف الآراء والأقوال عند جميع الأطراف ؛ كي نتجاوز النظرة من زاوية محدودة وننطلق من الإطار المقيّد إلى عالم أَرحب ؛ إذ أَنَّ النظرة الضيّقة وعدم الانفتاح يوصدان أَبواب التفاهم وتلاقح الأفكار ، وبالنتيجة تحرمنا من قطف ثمار الاتصال بالآخرين والحوار معهم . والآن بين أيدينا أمر عبادي مهم سنسلِّط الضوء عليه ليتَّضح لنا مدى عمق جذور الاختلاف وماهيَّته في مصداق واحد ، ومن خلاله ربَّما تظهر ملامح صورة الاختلاف : وهي دراسة عن كيفيّة « وضوء النبيّ ( ص ) » . فكيف وقع الخلاف بين المسلمين في هذا الأمر المهم ؟ ! ولِمَ اختلف في مثل الوضوء ، ذلك الفعل الذي كان يؤدِّيه النبيّ ( ص ) لعدّة مرّات في اليوم على مدى ثلاث وعشرين سنة ، بمرأىً من المسلمين . الوضوء الذي أَكَّد عليه النبيّ وجعله شرطاً للصلاة التي هي عمود الدين ؛ فقال : « لا صلاة إِلَّا بطهور » « 1 » ، وقال أَيضاً : « الوضوء شطر الإِيمان » « 2 » ؟ ! إذاً فالوضوء أَمر عباديّ ، مارسه الرسول بمحضر المسلمين ثمَّ اتّبعوهُ بعد التعلّم العمليّ والبيان القوليّ منه ، وهو لم يكن بالأمر الخفيّ ، ولا بالتشريع المؤقّت المختصّ بفترة زمنيّة دون أُخرى ، حتَّى تطمس معالمه ، وتخفى ملامحُهُ بحيث يصل الحال إلى الاختلاف فيه .
--> ( 1 ) سنن أبي داود 1 : 16 / 59 ، سنن ابن ماجة 1 : 100 / 271 - 274 ، صحيح مسلم 1 : 204 ب 2 ، مسند الإمام زيد : 68 . ( 2 ) كنز العمّال 9 : 288 / 26044 ، وص 316 / 26200 ، وفي صحيح مسلم 1 : 203 / 1 ، ومسند أحمد 4 : 260 بتفاوت يسير .